منتديات النحاس - المنا صافور
5465404


زائرنا الكريم / اذا كنت عضوا " بمنتديات النحاس " قم بتسجيل دخولك , وان لم تكن عضواً معنا فاننا نتشرف بك ان تكون عضواً كريماً معنا , فقم بالتسجيل .

ادارة المنتدى


 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عن الطب النبوى

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عاشق الرسول
مشرف
مشرف
avatar

الجنس : ذكر
272
24

المهنة :

كيف تعرفت علينا : عن طريق صديق .
14/07/2010
5
نقاط : 30690
mms

مُساهمةموضوع: عن الطب النبوى   الجمعة يوليو 16, 2010 7:01 am



المرض

:
نوعان : مرض القلوب ، ومرض
الأبدان ، وهما مذكوران في القرآن .




ومرض القلوب : نوعان : مرض
شبهة وشك ،
ومرض شهوة وغي ، وكلاهما في القرآن . قال تعالى في مرض الشبهة : " في
قلوبهم
مرض فزادهم الله مرضا " [ البقرة : 110 ] وقال تعالى : " وليقول الذين
في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا " [ المدثر : 31 ] وقال
تعالى في حق من دعي إلى تحكيم القرآن والسنة ، فأبى وأعرض : " وإذا دعوا
إلى
الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا
إليه
مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله
بل أولئك
هم الظالمون " [ النور : 48 و 49 ] فهذا مرض الشبهات والشكوك .




وأما مرض الشهوات ، فقال
تعالى : "
يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي
في قلبه
مرض " [ الأحزاب : 32 ] . فهذا مرض شهوة الزنى ، والله أعلم .












فصل




وأما مرض الأبدان ، فقال
تعالى : "
ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج " [ النور : 61 ]
، وذكر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء لسر بديع يبين لك عظمة القرآن ،
والإستغناء
به لمن فهمه وعقله عن سواه ، وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة : حفظ الصحة ،
والحمية عن المؤذي ، واستفراغ المواد الفاسدة ، فذكر سبحانه هذه الأصول
الثلاثة في
هذه المواضع الثلاثة .




فقال
في آية الصوم : " فمن كان منكم
مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " [ البقرة : 184 ] ، فأباح الفطر
للمريض
لعذر المرض ، وللمسافر طلباً لحفظ صحته وقوته لئلا يذهبها الصوم في السفر
لاجتماع
شدة الحركة ، وما يوجبه من التحليل ، وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل ،
فتخور القوة
، وتضعف ، فأباح للمسافر الفطر حفظاً لصحته وقوته عما يضعفها .







وقال
في آية الحج : " فمن كان منكم
مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " [ البقرة : 196 ) ،
فأباح للمريض ، ومن به أذى من رأسه ، من قمل ، أو حكة ، أو غيرهما ، أن
يحلق رأسه
في الإحرام استفراغاً لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه
باحتقانها تحت الشعر ، فإذا حلق رأسه ، تفتحت المسام ، فخرجت تلك الأبخرة
منها ،
فهذا الإستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذي انحباسه .







والأشياء
التي يؤذي انحباسها ومدافعتها
عشرة : الدم إذا هاج ، والمني إذا تبيغ ، والبول ، والغائط ، والريح ،
والقئ ،
والعطاس ، والنوم ، والجوع ، والعطش . وكل واحد من هذه العشرة يوجب حبسه
داء من
الأدواء بحسبه .




وقد
نبه سبحانه باستفراغ أدناها ، وهو
البخار المحتقن في الرأس على استفراغ ما هو أصعب منه ، كما هي طريقة القرآن
التنبيه بالأدنى على الأعلى .







وأما
الحمية : فقال تعالى في آية الوضوء :
" وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء
فلم
تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " [ النساء : 43 ) ، فأباح للمريض العدول عن
الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما
يؤذيه ، وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج ، فقد
أرشد -
سبحانه - عباده إلى أصول الطب ومجامع قواعده ، ونحن نذكر هدي رسول الله صلى
الله
عليه وسلم في ذلك ، ونبين أن هديه فيه أكمل هدي .







فأما
طب القلوب ، فمسلم إلى الرسل صلوات
الله وسلامه عليهم ، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم ، فإن
صلاح
القلوب أن تكون عارفة بربها ، وفاطرها ، وبأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ،
وأحكامه ،
وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابه ، متجنبة لمناهيه ومساخطه ، ولا صحة لها ولا
حياة
البتة إلا بذلك ، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل ، وما يظن من حصول
صحة




القلب
بدون اتباعهم ، فغلط ممن يظن ذلك ،
وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية ، وصحتها وقوتها ، وحياة قلبه
وصحته ،
وقوته عن ذلك بمعزل ، ومن لم يميز بين هذا وهذا ، فليبك على حياة قلبه ،
فإنه من
الأموات ، وعلى نوره ، فإنه منغمس في بحار الظلمات .








فصل



وأما طب الأبدان : فإنه نوعان :



نوع قد فطر الله عليه
الحيوان ناطقه وبهيمه ، فهذا لا يحتاج
فيه إلى معالجة طبيب ، كطب الجوع ، والعطش ، والبرد ، والتعب بأضدادها وما
يزيلها
.







والثاني : ما يحتاج إلى
فكر وتأمل ، كدفع الأمراض المتشابهة
الحادثة في المزاج ، بحيث يخرج بها عن الإعتدال ، إما إلى حرارة ، أو برودة
، أو
يبوسة ، أو رطوبة ، أو ما يتركب من اثنين منها ، وهي نوعان : إما مادية ،
وإما
كيفية ، أعني إما أن يكون بانصباب مادة ، أو بحدوث كيفية ، والفرق بينهما
أن أمراض
الكيفية تكون بعد زوال المواد التي أوجبتها ، فتزول موادها ، ويبقى أثرها
كيفية في
المزاج .







وأمراض المادة أسبابها
معها تمدها ، وإذا كان سبب المرض معه
، فالنظر في السبب ينبغي أن يقع أولاً ، ثم في المرض ثانياً ، ثم في الدواء
ثالثاً
. أو الأمراض الآلية وهي التي تخرج العضو عن هيئته ، إما في شكل ، أو تجويف
، أو
مجرى ، أو خشونة ، أو ملاسة ، أو عدد ، أو عظم ، أو وضع ، فإن هذه الأعضاء
إذا
تألفت وكان منها البدن سمي تألفها اتصالاً ، والخروج عن الإعتدال فيه يسمى
تفرق
الإتصال ، أو الأمراض العامة التي تعم المتشابهة والآلية .







والأمراض المتشابهة :
هي التي يخرج بها المزاج عن الإعتدال
، وهذا الخروج يسمى مرضاً بعد أن يضر بالفعل إضراراً محسوساً .




وهي على ثمانية أضرب :
أربعة بسيطة ، وأربعة مركبة ،
فالبسيطة : البارد ، والحار ، والرطب ، واليابس ، والمركبة : الحار الرطب ،
والحار
اليابس ، والبارد الرطب ، والبارد اليابس ، وهي إما أن تكون بانصباب مادة ،
أو
بغير انصباب مادة ، وإن لم يضر المرض بالفعل يسمى خروجاً عن الإعتدال صحة .







وللبدن ثلاثة أحوال :
حال طبيعية ، وحال خارجة عن الطبيعية
، وحال متوسطة بين الأمرين . فالأولى : بها يكون البدن صحيحاً ، والثانية :
بها
يكون مريضاً . والحال الثالثة : هي متوسطة بين الحالتين ، فإن الضد لا
ينتقل إلى
ضده إلا بمتوسط ، وسبب خروج البدن عن طبيعته ، إما من داخله ، لأنه مركب من
الحار
والبارد ، والرطب واليابس ، وإما من خارج ، فلأن ما يلقاه قد يكون موافقاً ، وقد يكون غير موافق ، والضرر الذي
يلحق الإنسان قد يكون من سوء المزاج بخروجه عن الإعتدال ، وقد يكون من فساد
في
العضو ، وقد يكون من ضعف في القوى ، أو الأرواح الحاملة لها ، ويرجع ذلك
إلى زيادة
ما الإعتدال في عدم زيادته ، أو نقصان ما الإعتدال في عدم نقصانه ، أو تفرق
ما
الإعتدال في اتصاله ، أو اتصال ما الإعتدال في تفرقه ، أو امتداد ما
الإعتدال في
انقباضه ، أو خروج ذي وضع وشكل عن وضعه وشكله بحيث يخرجه عن اعتداله .







فالطبيب : هو الذي يفرق
ما يضر بالإنسان جمعه ، أو يجمع فيه
ما يضره تفرقه ، أو ينقص منه ما يضره زيادته ، أو يزيد فيه ما يضره نقصه ،
فيجلب
الصحة المفقودة ، أو يحفظها بالشكل والشبه ، ويدفع العلة الموجودة بالضد
والنقيض ،
ويخرجها ، أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحمية ، وسترى هذا كله في هدي
رسول الله
صلى الله عليه وسلم شافياً كافياً بحول الله وقوته ، وفضله ومعونته .








فصل




فكان
من هديه صلى الله عليه وسلم فعل
التداوي في نفسه ، والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه ، ولكن لم يكن
من هديه
ولا هدي أصحابه استعمال هذه الأدوية المركبة التي تسمى أقرباذين ، بل كان
غالب
أدويتهم بالمفردات ، وربما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه ، أو يكسر سورته ،
وهذا
غالب طب الأمم على اختلاف أجناسها من العرب والترك ، وأهل البوادي قاطبة ،
وإنما
عني بالمركبات الروم واليونانيون ، وأكثر طب الهند بالمفردات .







وقد اتفق الأطباء على أنه متى
أمكن
التداوي بالغذاء لا يعدل عنه إلى الدواء ، ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل عنه
إلى
المركب .




قالوا : وكل داء قدر على دفعه
بالأغذية
والحمية ، لم يحاول دفعه بالأدوية .




قالوا
: ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقي
الأدوية ، فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داء يحلله ، أو وجد داء لا
يوافقه ، أو
وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه ، أو كيفيته ، تشبث بالصحة ، وعبث بها .
وأرباب
التجارب من الأطباء طبهم بالمفردات غالباً ، وهم أحد فرق الطب الثلاث .







والتحقيق
في ذلك أن الأدوية من جنس
الأغذية ، فالأمة والطائفة التي غالب أغذيتها المفردات ، أمراضها قليلة
جداً ،
وطبها بالمفردات ، وأهل المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركبة يحتاجون
إلى
الأدوية المركبة ، وسبب ذلك أن أمراضهم في الغالب مركبة ، فالأدوية المركبة
أنفع
لها ، وأمراض أهل البوادي والصحاري مفردة ، فيكفي في مداواتها الأدوية
المفردة ،
فهذا برهان بحسب الصناعة الطبية .







ونحن
نقول : إن ها هنا أمراً آخر ، نسبة
طب الأطباء إليه كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم ، وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم ، فإن ما عندهم من العلم بالطب منهم من
يقول : هو قياس . ومنهم من يقول : هو تجربة . ومنهم من يقول : هو إلهامات ،
ومنامات ، وحدس صائب . ومنهم من يقول : أخذ كثير منه من الحيوانات البهيمية
، كما
نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم تعمد إلى السراج ، فتلغ في الزيت
تتداوى به ،
وكما رؤيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض ، وقد عشيت أبصارها تأتي إلى ورق
الرازيانج ، فتمر عيونها عليها . وكما عهد من الطير الذي يحتقن بماء البحر
عند
انحباس طبعه ، وأمثال ذلك مما ذكر في مبادئ الطب .







وأين
يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه
الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره ، فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي
كنسبة ما
عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء ، بل ها هنا من الأدوية التي تشفي
من
الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم
وتجاربهم ،
وأقيستهم من الأدوية القلبية ، والروحانية ، وقوة القلب ، واعتماده على
الله ،
والتوكل عليه ، والإلتجاء إليه ، والإنطراح والإنكسار بين يديه ، والتذلل
له ،
والصدقة ، والدعاء ، والتوبة ، والإستغفار ، والإحسان إلى الخلق ، وإغاثة
الملهوف
، والتفريج عن المكروب ، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف
أديانها
ومللها ، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء
، ولا
تجربته ، ولا قياسه .







وقد
جربنا نحن وغيرنا من هذا أموراً كثيرة
، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية ، بل تصير الأدوية الحسية عندها
بمنزلة
أدوية الطرقية عند الأطباء ، وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية ليس خارجاً
عنها ،
ولكن الأسباب متنوعة فإن القلب متى اتصل برب العالمين ، وخالق الداء
والدواء ،
ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي
يعانيها القلب
البعيد منه المعرض عنه ، وقد علم أن الأرواح متى قويت ، وقويت النفس
والطبيعة
تعاونا على دفع الداء وقهره ، فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه ، وفرحت
بقربها من
بارئها ، وأنسها به ، وحبها له ، وتنعمها بذكره ، وانصراف قواها كلها إليه ،
وجمعها عليه ، واستعانتها به ، وتوكلها عليه ، أن يكون ذلك لها من أكبر
الأدوية ،
وأن توجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية ، ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس ،
وأغلظهم حجاباً ، وأكثفهم نفساً ، وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الإنسانية ،
وسنذكر
إن شاء الله السبب الذي به أزالت قراءة الفاتحة داء اللدغة عن اللديغ التي
رقي بها
، فقام حتى كأن ما به قلبة .







فهذان
نوعان من الطب النبوي ، نحن بحول
الله نتكلم عليهما بحسب الجهد والطاقة ، ومبلغ علومنا القاصرة ، ومعارفنا
المتلاشية جداً ، وبضاعتنا المزجاة ، ولكنا نستوهب من بيده الخير كله ،
ونستمد من
فضله ، فإنه العزيز الوهاب .








فصل




روى
مسلم في صحيحه
: من حديث أبى الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله
عليه وسلم
، أنه قال : " لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء ، برأ بإذن الله عز وجل
" .




وفي
الصحيحين : عن عطاء ، عن أبي هريرة
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنزل الله من داء إلا أنزل
له
شفاء " .




وفي
مسند الإمام أحمد : من حديث زياد
بن علاقة ، عن أسامة بن شريك ، قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ،
وجاءت
الأعراب ، فقالوا : يا رسول الله ! أنتداوى ؟ فقال : " نعم يا عباد الله
تداووا ، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد ، قالوا : ما هو ؟ قال : الهرم "
.




وفي
لفظ : " إن الله لم ينزل داء إلا
أنزل له شفاء ، علمه من علمه وجهله من جهله " .




وفي
المسند : من حديث ابن مسعود يرفعه
: " إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء ، علمه من علمه ، وجهله
من
جهله " وفي المسند و
السنن : عن أبي خزامة ، قال : قلت
: يا رسول الله ! أرأيت رقى نسترقيها ، ودواء نتداوى به ، وتقاة نتقيها ،
هل ترد
من قدر الله شيئاً ؟ فقال : " هي من قدر الله " .







فقد
تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب
والمسببات ، وإبطال قول من أنكرها ، ويجوز أن يكون قوله : " لكل داء دواء
" ، على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة ، والأدواء التي لا يمكن لطبيب
أن
يبرئها ، ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها ، ولكن طوى علمها عن
البشر ،
ولم يجعل لهم إليه سبيلاً ، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله ، ولهذا
علق
النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء على مصادفة الدواء للداء ، فإنه لا شئ من
المخلوقات إلا له ضد ، وكل داء له ضد من الدواء يعالج بضده ، فعلق النبي
صلى الله
عليه وسلم البرء بموافقة الداء للدواء ، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده ،
فإن
الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي ،
نقله إلى
داء آخر ، ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته ، وكان العلاج قاصراً ، ومتى لم
يقع
المداوي على الدواء ، أو لم يقع الدواء على الداء ، لم يحصل الشفاء ، ومتى
لم يكن
الزمان صالحاً لذلك الدواء ، لم ينفع ، ومتى كان البدن غير قابل له ، أو
القوة
عاجزة عن حمله ، أو ثم مانع يمنع من تأثيره ، لم يحصل البرء لعدم المصادفة ،
ومتى
تمت المصادفة حصل البرء بإذن الله ولا بد ، وهذا أحسن المحملين في الحديث .




والثاني
: أن يكون من العام المراد به
الخاص ، لا سيما والداخل في اللفظ أضعاف أضعاف الخارج منه ، وهذا يستعمل في
كل
لسان ، ويكون المراد أن الله لم يضع داء يقبل الدواء إلا وضع له دواء ، فلا
يدخل
في هذا الأدواء التي لا تقبل الدواء ، وهذا كقوله تعالى في الريح التي
سلطها على
قوم عاد : " تدمر كل شيء بأمر ربها " [ الأحقاف : 25 ] أي كل شئ يقبل
التدمير ، ومن شأن الريح أن تدمره ، ونظائره كثيرة .







ومن
تأمل خلق الأضداد في هذا العالم ،
ومقاومة بعضها لبعض ، ودفع بعضها ببعض ، وتسليط بعضها على بعض ، تبين له
كمال قدرة
الرب تعالى ، وحكمته ، وإتقانه ما صنعه ، وتفرده بالربوبية ، والوحدانية ،
والقهر
، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه ،
كما أنه الغني بذاته ، وكل ما سواه محتاج بذاته .







وفي
الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي ،
وأنه لا ينافي التوكل ، كما لا ينافيه دفع داء الجوع ، والعطش ، والحر ،
والبرد
بأضدادها ، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله
مقتضيات
لمسبباتها قدراً وشرعاً ، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل ، كما يقدح في
الأمر
والحكمة ، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل ، فإن تركها
عجزاً
ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في
دينه
ودنياه ، ودفع ما يضره في دينه ودنياه ، ولا بد مع هذا الإعتماد من مباشرة
الأسباب
، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع ، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ، ولا توكله
عجزاً
.







وفيها
رد على من أنكر التداوي ، وقال : إن
كان الشفاء قد قدر ، فالتداوي لا يفيد ، وإن لم يكن قد قدر ، فكذلك .
وأيضاً ، فإن
المرض حصل بقدر الله ، وقدر الله لا يدفع ولا يرد ، وهذا السؤال هو الذي
أورده
الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما أفاضل الصحابة ، فأعلم
بالله
وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا ، وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم
بما
شفى وكفى ، فقال : هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله ، فما خرج شئ
عن قدره
، بل يرد قدره بقدره ، وهذا الرد من قدره ، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره
بوجه ما ،
وهذا كرد قدر الجوع ، والعطش والحر ، والبرد بأضدادها ، وكرد قدر العدو
بالجهاد
وكل من قدر الله : الدافع ، والمدفوع والدفع .







ويقال
لمورد هذا السؤال : هذا يوجب عليك
أن لا تباشر سبباً من الأسباب التي تجلب بها منفعة ، أو تدفع بها مضرة ،
لأن
المنفعة والمضرة إن قدرتا ، لم يكن بد من وقوعهما ، وإن لم تقدرا لم يكن
سبيل إلى
وقوعهما ، وفي ذلك خراب الدين والدنيا ، وفساد العالم ، وهذا لا يقوله إلا
دافع
للحق ، معاند له ، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه ، كالمشركين الذين
قالوا :
" لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا " [ الأنعام : 148 ] ، و " لو
شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا " [ النحل : 35 ] ، فهذا
قالوه دفعاً لحجة الله عليهم بالرسل .




وجواب
هذا السائل أن يقال : بقي قسم ثالث
لم تذكره ، هو أن الله قدر كذا وكذا بهذا السبب ، فإن أتيت بالسبب حصل
المسبب ،
وإلا فلا ، فإن قال : إن كان قدر لي السبب ، فعلته ، وإن لم يقدره لي لم
أتمكن من
فعله .







قيل :
فهل تقبل هذا الإحتجاج من عبدك ،
وولدك ، وأجيرك إذا احتج به عليك فيما أمرته به ، ونهيته عنه فخالفك ؟ فإن
قبلته ،
فلا تلم من عصاك ، وأخذ مالك ، وقذف عرضك ، وضيع حقوقك ، وإن لم تقبله ،
فكيف يكون
مقبولاً منك في دفع حقوق الله عليك. وقد روي في أثر إسرائيلي : أن إبراهيم
الخليل
قال : يا رب ممن الداء ؟ قال : مني
. قال : فممن الدواء ؟ قال :
مني. قال : فما بال الطبيب ؟ . قال :
رجل أرسل الدواء على يديه .







وفي
قوله صلى الله عليه وسلم : " لكل
داء دواء" ، تقوية لنفس المريض والطبيب ، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش
عليه ، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله ، تعلق قلبه بروح
الرجاء
، وبردت عنده حرارة اليأس ، وانفتح له باب الرجاء ، ومتى قويت نفسه انبعثت
حرارته
الغريزية ، وكان ذلك سببها لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية ،
ومتى
قويت هذه الأرواح ، قويت القوى التي هي حاملة لها ، فقهرت المرض ودفعته .







وكذلك
الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء
أمكنه طلبه والتفتيش عليه . وأمراض الأبدان على وزان أمراض القلوب ، وما
جعل الله
للقلب مرضاً إلا جعل له شفاء بضده ، فإن علمه صاحب الداء واستعمله ، وصادف
داء
قلبه ، أبرأه بإذن الله تعالى .








فصل




في
هديه صلى الله عليه وسلم في الإحتماء
من التخم ، والزيادة في الأكل على قدر الحاجة ، والقانون الذي ينبغي
مراعاته في
الأكل والشرب




في
المسند وغيره : عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قال : " ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن ، بحسب ابن آدم لقيمات
يقمن صلبه ، فإن كان لا بد فاعلاً ، فثلث
لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه " .







الأمراض
نوعان : أمراض مادية تكون عن
زيادة مادة أفرطت في البدن حتى أضرت بأفعاله الطبيعية ، وهي الأمراض
الأكثرية ،
وسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول ، والزيادة في القدر الذي
يحتاج إليه
البدن ، وتناول الأغذية القليلة النفع ، البطيئة الهضم ، والإكثار من
الأغذية
المختلفة التراكيب المتنوعة ، فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية ،
واعتاد ذلك ،
أورثته أمراضاً متنوعة ، منها بطيء الزوال وسريعه ، فإذا توسط في الغذاء ،
وتناول
منه قدر الحاجة ، وكان معتدلاً في كميته وكيفيته، كان انتفاع البدن به أكثر
من
انتفاعه بالغذاء الكثير .



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الرسول
مشرف
مشرف
avatar

الجنس : ذكر
272
24

المهنة :

كيف تعرفت علينا : عن طريق صديق .
14/07/2010
5
نقاط : 30690
mms

مُساهمةموضوع: عن الطب النبوى   الجمعة يوليو 16, 2010 7:02 am


ومراتب
الغذاء ثلاثة : أحدها : مرتبة
الحاجة . والثانية : مرتبة الكفاية . والثالثة : مرتبة الفضلة . فأخبر
النبي صلى الله
عليه وسلم : أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه ، فلا تسقط قوته ، ولا تضف معها ،
فإن
تجاوزها ، فليأكل في ثلث بطنه ، ويدع الثلث الآخر للماء ، والثالث للنفس ،
وهذا من
أنفع ما للبدن والقلب ، فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب ،
فإذا ورد
عليه الشراب ضاق عن النفس ، وعرض له الكرب والتعب بحمله بمنزلة حامل الحمل
الثقيل
، هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب ، وكسل الجوارح عن الطاعات ، وتحركها
في
الشهوات التي يستلزمها الشبع . فامتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن .









هذا
إذا كان دائماً أو أكثرياً . وأما إذا
كان في الأحيان ، فلا بأس به ، فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبي صلى الله
عليه وسلم
من اللبن ، حتى قال : والذي بعثك بالحق ، لا أجد له مسلكاً . وأكل الصحابة
بحضرته
مراراً حتى شبعوا .





والشبع
المفرط يضعف القوى والبدن ، وإن
أخصبه ، وإنما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء ، لا بحسب كثرته .





ولما
كان في الإنسان جزء أرضي ، وجزء
هوائي ، وجزء مائي ، قسم النبي صلى الله عليه وسلم طعامه وشرابه ونفسه على
الأجزاء
الثلاثة .









فإن
قيل : فأين حظ الجزء الناري ؟





قيل :
هذه مسألة تكلم فيها الأطباء ،
وقالوا : إن في البدن جزءاً نارياً بالفعل ، وهو أحد أركانه واسطقساته .





ونازعهم
في ذلك آخرون من العقلاء من
الأطباء وغيرهم ، وقالوا : ليس في البدن جزء ناري بالفعل ، واستدلوا بوجوه :





أحدها
: أن ذلك الجزء الناري إما أن يدعى
أنه نزل عن الأثير ، واختلط بهذه الأجزاء المائية والأرضية ، أو يقال : إنه
تولد فيها
وتكون ، والأول مستبعد لوجهين ، أحدهما : أن النار بالطبع صاعدة ، فلو نزلت
،
لكانت بقاسر من مركزها إلى هذا العالم . الثاني : أن تلك الأجزاء النارية
لا بد في
نزولها أن تعبر على كرة الزمهرير التي هي في غاية البرد ، ونحن نشاهد في
هذا
العالم أن النار العظيمة تنطفئ بالماء القليل ، فتلك الأجزاء الصغيرة عند
مرورها
بكرة الزمهرير التي هي في غاية البرد ، ونهاية العظم أولى بالانطفاء .









وأما
الثاني : - وهو أن يقال : إنها تكونت
ها هنا - فهو أبعد وأبعد ، لأن الجسم الذي صار ناراً بعد أن لم يكن كذلك ،
قد كان
قبل صيرورته إما أرضاً ، وإما ماء ، وإما هواء لانحصار الأركان في هذه
الأربعة ،
وهذا الذي قد صار ناراً أولاً ، كان مختلطاً بأحد هذه الأجسام ، ومتصلاً
بها ،
والجسم الذي لا يكون ناراً إذا اختلط بأجسام عظيمة ليست بنار ولا واحد منها
، لا
يكون مستعداً لأن ينقلب ناراً لأنه في نفسه ليس بنار ، والأجسام المختلطة
باردة ،
فكيف يكون مستعداً لانقلابه ناراً ؟





فإن
قلتم : لم لا تكون هناك أجزاء نارية
تقلب هذه الأجسام ، وتجعلها ناراً بسبب مخالطتها إياها ؟





قلنا :
الكلام في حصول تلك الأجزاء النارية
كالكلام في الأول ، فإن قلتم : إنا نرى من رش الماء على النورة المطفأة
تنفصل منها
نار ، وإذا وقع شعاع الشمس على البلورة ، ظهرت النار منها ، وإذا ضربنا
الحجر على
الحديد ، ظهرت النار ، وكل هذه النارية حدثت عند الإختلاط ، وذلك يبطل ما
قررتموه
في القسم الأول أيضاً .









قال
المنكرون : نحن لا ننكر أن تكون
المصاكة الشديدة محدثة للنار ، كما في ضرب الحجارة على الحديد ، أو تكون
قوة تسخين
الشمس محدثة للنار ، كما في البلورة ، لكنا نستبعد ذلك جداً في أجرام
النبات
والحيوان ، إذ ليس في أجرامها من الإصطكاك ما يوجب حدوث النار ، ولا فيها
من
الصفاء والصقال ما يبلغ إلى حد البلورة ، كيف وشعاع الشمس يقع على ظاهرها ،
فلا
تتولد النار





البتة
، فالشعاع الذي يصل إلى باطنها كيف
يولد النار ؟









الوجه
الثاني : في أصل المسألة : أن
الأطباء مجمعون على أن الشراب العتيق في غاية السخونة بالطبع ، فلو كانت
تلك
السخونة بسبب الأجزاء النارية ، لكانت محالاً إذ تلك الأجزاء النارية مع
حقارتها
كيف يعقل بقاؤها في الأجزاء المائية الغالبة دهراً طويلاً ، بحيث لا تنطفئ
مع أنا
نرى النار العظيمة تطفأ بالماء القليل .









الوجه
الثالث : أنه لو كان في الحيوان
والنبات جزء ناري بالفعل ، لكان مغلوباً بالجزء المائي الذي فيه ، وكان
الجزء
الناري مقهوراً به ، وغلبة بعض الطبائع والعناصر على بعض يقتضي انقلاب
طبيعة
المغلوب إلى طبيعة الغالب ، فكان يلزم بالضرورة انقلاب تلك الأجزاء النارية
القليلة جداً إلى طبيعة الماء الذي هو ضد النار









الوجه
الرابع : أن الله سبحانه وتعالى ذكر
خلق الإنسان في كتابه في مواضع متعددة ، يخبر في بعضها أنه خلقه من ماء ،
وفي
بعضها أنه خلقه من تراب ، وفي بعضها أنه خلقه من المركب منهما وهو الطين ،
وفي
بعضها أنه خلقه من صلصال كالفخار ، وهو الطين الذي ضربته الشمس والريح حتى
صار
صلصالاً كالفخار ، ولم يخبر في موضع واحد أنه خلقه من نار ، بل جعل ذلك
خاصية
إبليس . وثبت في صحيح مسلم :
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "
خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم "
، وهذا صريح في أنه خلق مما وصفه الله في كتابه فقط ، ولم يصف لنا سبحانه
أنه خلقه
من نار ، ولا أن في مادته شيئاً من النار .









الوجه
الخامس : أن غاية ما يستدلون به ما
يشاهدون من الحرارة في أبدان الحيوان ، وهي دليل على الأجزاء النارية ،
وهذا لا
يدل ، فإن أسباب الحرارة أعم من النار ، فإنها تكون عن النار تارة ، وعن
الحركة
أخرى ، وعن انعكاس الأشعة ، وعن سخونة الهواء ، وعن مجاورة النار ، وذلك
بواسطة
سخونة الهواء أيضاً ، وتكون عن أسباب أخر ، فلا يلزم من الحرارة النار .









قال
أصحاب النار : من المعلوم أن التراب
والماء إذا اختلطا فلا بد لهما من حرارة تقتضي طبخهما وامتزاجهما ، وإلا
كان كل
منهما غير ممازج للآخر ، ولا متحداً به ، وكذلك إذا ألقينا البذر في الطين
بحيث لا
يصل إليه الهواء ولا الشمس فسد ، فلا يخلو ، إما أن يحصل في المركب جسم
منضج طابخ
بالطبع أو لا ، فإن حصل ، فهو الجزء الناري ، وإن لم يحصل ، لم يكن المركب
مسخناً بطبعه ، بل إن سخن كان التسخين
عرضياً ، فإذا زال التسخين العرضي ، لم يكن الشيء حاراً في طبعه ، ولا في
كيفيته ،
وكان بارداً مطلقاً ، لكن من الأغذية والأدوية ما يكون حاراً بالطبع ،
فعلمنا أن
حرارتها إنما كانت ، لأن فيها جوهراً نارياً .









وأيضاً
فلو لم يكن في البدن جزء مسخن لوجب
أن يكون في نهاية البرد ، لأن الطبيعة إذا كانت مقتضية للبرد ، وكانت خالية
عن
المعاون والمعارض ، وجب انتهاء البرد إلى أقصى الغاية ، ولو كان كذلك لما
حصل لها
الإحساس بالبرد ، لأن البرد الواصل إليه إذا كان في الغاية كان مثله ،
والشئ لا
ينفعل عن مثله ، وإذا لم ينفعل عنه لم يحس به ، وإذا لم يحس به لم يتألم
عنه ، وإن
كان دونه فعدم الإنفعال يكون أولى ، فلو لم يكن في البدن جزء مسخن بالطبع
لما
انفعل عن البرد ، ولا تألم به . قالوا : وأدلتكم إنما تبطل قول من يقول :
الأجزاء
النارية باقية في هذه المركبات على حالها ، وطبيعتها النارية ، ونحن لا
نقول بذلك
، بل نقول : إن صورتها النوعية تفسد عند الإمتزاج .









قال
الآخرون : لم لا يجوز أن يقال : إن
الأرض والماء والهواء إذا اختلطت ، فالحرارة المنضجة الطابخة لها هي حرارة
الشمس
وسائر الكواكب ، ثم ذلك المركب عند كمال نضجه مستعد لقبول الهيئة التركيبية
بواسطة
السخونة نباتاً كان أو حيواناً أو معدناً ، وما المانع أن تلك السخونة
والحرارة
التي في المركبات هي بسبب خواص وقوى يحدثها الله تعالى عند ذلك الإمتزاج لا
من
أجزاء نارية بالفعل ؟ ولا سبيل لكم إلى إبطال هذا الإمكان البتة ، وقد
اعترف جماعة
من فضلاء الأطباء بذلك .









وأما
حديث إحساس البدن بالبرد ، فنقول :
هذا يدل على أن في البدن حرارة وتسخيناً ، ومن ينكر ذلك ؟ لكن ما الدليل
على
انحصار المسخن في النار ، فإنه وإن كان كل نار مسخناً ، فإن هذه القضية لا
تنعكس
كلية ، بل عكسها الصادق بعض المسخن نار .





وأما
قولكم بفساد صورة النار النوعية ،
فأكثر الأطباء على بقاء صورتها النوعية ، والقول بفسادها قول فاسد قد اعترف
بفساده
أفضل متأخريكم في كتابه المسمى بالشفا ، وبرهن على بقاء الأركان أجمع على
طبائعها
في المركبات . وبالله التوفيق .





فصل





وكان
علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض
ثلاثة أنواع . . .





أحدها
: بالأدوية الطبيعية .





والثاني : بالأدوية الإلهية .





والثالث
: بالمركب من الأمرين .





ونحن
نذكر الأنواع الثلاثة من هديه صلى
الله عليه وسلم ، فنبدأ بذكر الأدوية الطبيعية التي وصفها واستعملها ، ثم
نذكر
الأدوية الإلهية ، ثم المركبة .





وهذا
إنما نشير إليه إشارة ، فإن رسول
الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث هادياً ، وداعياً إلى الله ، وإلى جنته ،
ومعرفاً بالله ، ومبيناً للأمة مواقع رضاه وآمراً لهم بها ، ومواقع سخطه
وناهياً
لهم عنها ، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم ،





وأخبار
تخليق العالم ، وأمر المبدأ
والمعاد ، وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها ، وأسباب ذلك .





وأما
طب الأبدان : فجاء من تكميل شريعته ،
ومقصوداً لغيره ، بحيث إنما يستعمل عند الحاجة إليه ، فإذا قدر على
الإستغناء عنه،
كان صرف الهمم والقوى إلى علاج القلوب والأرواح ، وحفظ صحتها ، ودفع
أسقامها ،
وحميتها مما يفسدها هو المقصود بالقصد الأول ، وإصلاح البدن بدون إصلاح
القلب لا
ينفع ، وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جداً ، وهي مضرة زائلة
تعقبها
المنفعة الدائمة التامة ، وبالله التوفيق .















ذكر
القسم الأول وهو العلاج بالأدوية
الطبيعية





فصل





في
هديه في علاج الحمى





ثبت
في
الصحيحين : عن نافع ، عن ابن عمر ،
أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الحمى أو شدة الحمى من فيح جهنم ،
فأبردوها بالماء
" .





وقد
أشكل هذا الحديث على كثير من جهلة
الأطباء ، ورأوه منافياً لدواء الحمى وعلاجها ، ونحن نبين بحول الله وقوته
وجهه
وفقهه ، فنقول : خطاب النبي صلى الله عليه وسلم نوعان : عام لأهل الأرض ،
وخاص
ببعضهم ، فالأول : كعامة خطابه ، والثاني
: كقوله : " لا تستقبلوا القبلة بغائط ، ولا بول ، ولا تستدبروها ، ولكن
شرقوا ، أو غربوا " فهذا ليس بخطاب لأهل المشرق والمغرب ولا العراق ، ولكن
لأهل المدينة وما على سمتها ، كالشام وغيرها . وكذلك قوله : " ما بين
المشرق
والمغرب قبلة
" .









وإذا
عرف هذا ، فخطابه في هذا الحديث خاص
بأهل الحجاز ، وما والاهم ، إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع
الحمى
اليومية العرضية الحادثة عن شدة حرارة الشمس ، وهذه ينفعها الماء البارد
شرباً
واغتسالاً ، فإن الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب ، وتنبث منه بتوسط


الروح
والدم في الشرايين والعروق إلى جميع البدن ، فتشتعل فيه
اشتعالاً يضر بالأفعال الطبيعية ، وهي تنقسم إلى قسمين : عرضية : وهي
الحادثة إما
عن الورم ، أو الحركة ، أو إصابة حرارة الشمس ، أو القيظ الشديد ونحو ذلك
.









ومرضية
: وهي ثلاثة أنواع ، وهي لا تكون
إلا في مادة أولى ، ثم منها يسخن جميع البدن . فإن كان مبدأ تعلقها بالروح
سميت
حمى يوم ، لأنها في الغالب تزول في يوم ، ونهايتها ثلاثة أيام ، وإن كان
مبدأ
تعلقها بالأخلاط سميت عفنية ، وهي أربعة أصناف : صفراوية ، وسوداوية
،
وبلغمية
، ودموية . وإن كان مبدأ تعلقها بالأعضاء الصلبة الأصلية ،
سميت حمى دق ، وتحت هذه الأنواع أصناف كثيرة
.





وقد
ينتفع البدن بالحمى انتفاعاً عظيماً
لا يبلغه الدواء ، وكثيراً ما يكون حمى يوم ، وحمى العفن سبباً لإنضاج مواد
غليظة
لم تكن تنضج بدونها ، وسبباً لتفتح سدد لم يكن تصل إليها الأدوية المفتحة
.









وأما
الرمد الحديث والمتقادم ، فإنها تبرئ
أكثر أنواعه برءاً عجيباً سريعاً ، وتنفع من الفالج ، واللقوة ، والتشنج
الإمتلائي
، وكثيراً من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة
.





وقال
لي بعض فضلاء الأطباء : إن كثيراً من
الأمراض نستبشر فيها بالحمى ، كما يستبشر المريض بالعافية ، فتكون الحمى
فيه أنفع
من شرب الدواء بكثير ، فإنها تنضج من الأخلاط والمواد الفاسدة ما يضر
بالبدن ،
فإذا أنضجتها صادفها الدواء متهيئة للخروج بنضاجها ، فأخرجها ،


فكانت
سبباً للشفاء
.









وإذا
عرف هذا ، فيجوز أن يكون مراد الحديث
من أقسام الحميات العرضية ، فإنها تسكن على المكان بالإنغماس في الماء
البارد، وسقي
الماء البارد المثلوج ، ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاج آخر ، فإنها مجرد
كيفية
حارة متعلقة بالروح ، فيكفي في زوالها مجرد وصول كيفية باردة تسكنها ،
وتخمد لهبها
من غير حاجة إلى استفراغ مادة ، أو انتظار نضج
.









ويجوز
أن يراد به جميع أنواع الحميات ،
وقد اعترف فاضل الأطباء جالينوس : بأن الماء البارد ينفع فيها ، قال في
المقالة
العاشرة من كتاب حيلة البرء :
ولو أن رجلاً شاباً حسن اللحم ، خصب البدن في
وقت القيظ ، وفي وقت منتهى الحمى ، وليس في أحشائه ورم ، استحم بماء بارد
أو سبح
فيه ، لانتفع بذلك . قال : ونحن نأمر بذلك لا توقف
.









وقال
الرازي في كتابه الكبير : إذا كانت
القوة قوية ، والحمى ، حادة جداً ، والنضج بين ولا ورم في الجوف ، ولا فتق ،
ينفع
الماء البارد شرباً ، وإن كان العليل خصب البدن والزمان حار ، وكان معتاداً
لاستعمال الماء البارد من خارج ، فليؤذن فيه
.





وقوله
: " الحمى من فيح جهنم "
، هو شدة لهبها ، وانتشارها ، ونظيره : قوله : " شدة الحر من فيح جهنم "
وفيه وجهان
.





أحدهما
: أن ذلك أنموذج ورقيقة اشتقت من
جهنم ليستدل بها العباد عليها ، ويعتبروا بها ، ثم إن الله سبحانه قدر
ظهورها
بأسباب تقتضيها ، كما أن الروح والفرح و السرور واللذة من نعيم الجنة
أظهرها الله
في هذه الدار عبرة ودلالة ، وقدر ظهورها بأسباب توجبها
.





والثاني
: أن يكون المراد التشبيه ، فشبه
شدة الحمى ولهبها بفيح جهنم ، وشبه شدة الحر به أيضاً تنبيهاً للنفوس على
شدة عذاب
النار ، وأن هذه الحرارة العظيمة مشبهة بفيحها ، وهو ما يصيب من قرب منها
من حرها
.









وقوله
:
فأبردوها ، روي بوجهين : بقطع
الهمزة وفتحها ، رباعي : من أبرد الشئ : إذا صيره بارداً ، مثل أسخنه : إذا
صيره
سخناً
.





والثاني
: بهمزة الوصل مضمومة من برد الشئ
يبرده ، وهو أفصح لغة واستعمالاً ، والرباعي لغة رديئة عندهم قال
:





إذا
وجدت لهيب الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم
أبترد





هبني
بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار علي الأحشاء
تتقد





وقوله
:
بالماء ، فيه قولان . أحدهما : أنه
كل ماء وهو الصحيح . والثاني : أنه ماء زمزم ، واحتج أصحاب هذا القول بما
رواه
البخاري في صحيحه عن أبي
جمرة نصر بن عمران الضبعي ، قال : كنت
أجالس ابن عباس بمكة ، فأخذتني الحمى ، فقال : أبردها عنك بماء زمزم ، فإن
رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء ،
أو
قال: بماء زمزم " . وراوي هذا قد شك فيه ، ولو جزم به لكان أمراً لأهل مكة
بماء زمزم ، إذ هو متيسر عندهم ، ولغيرهم بما عندهم من الماء
.





ثم
اختلف من قال : إنه على عمومه ، هل
المراد به الصدقة بالماء ، أو استعماله ؟ على قولين . والصحيح أنه استعمال ،
وأظن
أن الذي حمل من قال : المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد
في
الحمى ، ولم يفهم وجهه مع أن لقوله وجهاً حسناً ، وهو أن الجزاء من


جنس
العمل ، فكما أخمد لهيب العطش عن الظمآن بالماء البارد ، أخمد
الله لهيب الحمى عنه جزاء وفاقاً ، ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته ،
وأما
المراد به فاستعماله
.









وقد
ذكر أبو نعيم وغيره من حديث أنس يرفعه
: " إذا حم أحدكم ، فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر
" .





وفي
سنن ابن ماجه عن أبي هريرة يرفعه :
" الحمى كير من كير جهنم ، فنحوها عنكم بالماء البارد
" .





وفي
المسند وغيره ، من حديث الحسن ، عن
سمرة يرفعه : " الحمى قطعة من النار ، فأبردوها عنكم بالماء البارد " ،
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حم دعا بقربة من ماء ، فأفرغها على
رأسه
فاغتسل
.









وفي
السنن : من حديث أبي هريرة قال :
ذكرت الحمى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسبها رجل ، فقال رسول الله
صلى
الله عليه وسلم : " لا تسبها فإنها تنفي الذنوب ، كما تنفي النار خبث
الحديد
" .





لما
كانت الحمى يتبعها حمية عن الأغذية
الرديئة ، وتناول الأغذية والأدوية النافعة ، وفي ذلك إعانة على تنقية
البدن ،
ونفي أخباثه وفضوله ، وتصفيته من مواده الرديئة ، وتفعل فيه كما تفعل النار
في
الحديد في نفي خبثه ، وتصفية جوهره ، كانت أشبه الأشياء بنار الكير التي
تصفي جوهر
الحديد ، وهذا القدر هو المعلوم عند أطباء الأبدان
.





وأما
تصفيتها القلب من وسخه ودرنه ،
وإخراجها خبائثه ، فأمر يعلمه أطباء القلوب ، ويجدونه كما أخبرهم به نبيهم
رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن مرض القلب إذا صار مأيوساً من برئه ، لم
ينفع فيه
هذا العلاج
.





فالحمى
تنفع البدن والقلب ، وما كان بهذه
المثابة فسبه ظلم وعدوان ، وذكرت مرة وأنا محموم قول بعض الشعراء يسبها
:





زارت
مكفرة الذنــوب وودعــت تبــاً لهــا مــن
زائــر ومودع





قالت
وقد عزمت على ترحالها ماذا تريد فقلت أن لا
ترجعي





فقلت :
تباً له إذ سب ما نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن سبه ، ولو قال
:





زارت
مكفــــرة الذنوب لصبهــا أهلاً بهـــا مــــن
زائر ومودع





قالت
وقد عزمت على ترحالها ماذا تريد فقلت : أن لا
تقلعي





لكان
أولى به ، ولأقلعت عنه ، فأقلعت عني
سريعاً . وقد روي في أثر لا أعرف حاله حمى
يوم كفارة سنة ، وفيه قولان أحدهما : أن
الحمى تدخل في كل الأعضاء والمفاصل ، وعدتها ثلاثمائة وستون مفصلاً ، فتكفر
عنه -
بعدد كل مفصل - ذنوب يوم. والثاني : أنها تؤثر في البدن تأثيراً لا يزول
بالكلية
إلى سنة ، كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم : " من شرب الخمر لم تقبل له
صلاة أربعين يوماً " : إن أثر الخمر يبقى في جوف العبد ، وعروقه ، وأعضائه
أربعين يوماً والله أعلم
.





قال
أبو هريرة : ما من مرض يصيبني أحب إلي
من الحمى ، لأنها تدخل في كل عضو مني ، وإن الله سبحانه يعطي كل عضو حظه من
الأجر
.





وقد
روى الترمذي في جامعه
من حديث رافع بن خديج يرفعه : " إذا أصابت أحدكم الحمى - وإن الحمى
قطعة من النار - فليطفئها بالماء البارد ويستقبل نهراً جارياً ، فليستقبل
جرية
الماء بعد الفجر وقبل طلوع الشمس ، وليقل : بسم الله اللهم اشف عبدك ، وصدق
رسولك
، وينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام ، فان برئ ، والإ ففى خمس ، فإن لم
يبرأ في
خمس ، فسبع ، فإن لم يبرأ في سبع فتسع ، فإنها لا تكاد تجاوز تسعاً بإذن
الله
" .









قلت :
وهو ينفع فعله في فصل الصيف في
البلاد الحارة على الشرائط التي تقدمت ، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما
يكون
لبعده عن ملاقاة الشمس ، ووفور القوى في ذلك الوقت لما أفادها النوم ،
والسكون ،
وبرد الهواء ، فتجتمع فيه قوة القوى ، وقوة الدواء ، وهو الماء البارد


على
حرارة الحمى العرضية ، أو الغب الخالصة ، أعني التي لا ورم
معها ، ولا شئ من الأعراض الرديئة والمواد الفاسدة ، فيطفئها بإذن الله ،
لا سيما
في أحد الأيام المذكورة في الحديث ، وهي الأيام التي يقع فيها بحران
الأمراض
الحادة كثيراً ، سيما في البلاد المذكورة لرقة أخلاط سكانها ، وسرعة
انفعالهم عن
الدواء النافع .










***



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عن الطب النبوى
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات النحاس - المنا صافور  :: المنتدى الطبى :: الطب .-
انتقل الى: